آخر الأخبار

«احترسي صديقتي المغفلة».. د. تيسير علي تفتح أبواب الوعي العاطفي وتكشف الوجه الخفي للعلاقات المستنزفة

متابعة: آيات مصطفى

«احترسي صديقتي المغفلة».. د. تيسير علي تفتح أبواب الوعي العاطفي وتكشف الوجه الخفي للعلاقات المستنزفة


ليست كل علاقة تمنحنا الحب، وليست كل تضحية دليلًا على الوفاء؛ فبعض الروابط التي نتمسك بها بكل ما نملك تتحول مع الوقت إلى عبء يسرق راحتنا، ويستنزف مشاعرنا، ويجعلنا غرباء عن أنفسنا. من هذه المساحة الشائكة تنطلق الكاتبة د. تيسير علي في كتابها «احترسي صديقتي المغفلة»، لتقدم قراءة جريئة في العلاقات الإنسانية، وتضع القارئة أمام تساؤلات جوهرية حول الفارق بين الحب الذي يمنح الحياة، والتعلق الذي يستنزفها.

لا يتعامل الكتاب مع التجارب العاطفية باعتبارها حكايات عابرة تنتهي بالفراق، وإنما يتوقف عند ما تتركه داخل النفس من آثار، وما قد يدفع الإنسان إلى التنازل عن احتياجاته وحقوقه تحت مظلة الحب أو الخوف من الوحدة. ومن خلال طرح يمس تجارب قريبة من الواقع، تدعو د. تيسير علي إلى إعادة النظر في مفهوم التضحية، خاصة حين تتحول من اختيار نابع من المحبة إلى سلوك متكرر يدفع صاحبه ثمنه من سلامه النفسي وكرامته.

حين يتحول الحب إلى استنزاف

من القضايا التي يتوقف عندها الكتاب ظاهرة التعلق المفرط بالأشخاص، أو ما يمكن وصفه بإدمان وجودهم في حياتنا، حتى يصبح رضاهم مصدرًا للطمأنينة، ويغدو ابتعادهم تهديدًا للاستقرار الداخلي. في هذه الحالة، قد يتغاضى الإنسان عن الأذى، ويبرر التجاوزات، ويمنح الفرص المتكررة، لا لأن العلاقة تمنحه السعادة، وإنما لأنه يخشى الفراغ الذي قد يتركه غياب الطرف الآخر.

وتطرح الكاتبة رؤية تدعو إلى التمييز بين التمسك بعلاقة تستحق الاستمرار، والإصرار على علاقة تستنزف صاحبها. فالمشاعر وحدها لا تكفي لضمان سلامة أي ارتباط، كما أن طول مدة العلاقة لا يجعلها بالضرورة صحية، ولا يمنح الطرف الآخر حقًا مفتوحًا في التجاوز أو الإهمال.

ومن هنا، يصبح الوعي بطبيعة العلاقة خطوة أساسية نحو استعادة التوازن؛ إذ لا يتعلق الأمر بالتخلي عن الحب أو إنكار المشاعر، وإنما بفهمها ووضعها في إطار يحفظ للإنسان قيمته وحقه في الاحترام المتبادل.

خيانة النفس.. تنازلات صغيرة تقود إلى خسارة كبيرة

ينتقل «احترسي صديقتي المغفلة» إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات، وهي التخلي التدريجي عن الذات لإرضاء الآخرين. فقد تبدأ الحكاية بتنازل يبدو بسيطًا، أو صمت عن موقف مؤلم، أو قبول بتصرف لا يتفق مع القناعات الشخصية، ثم تتكرر التنازلات حتى يجد الإنسان نفسه محاصرًا داخل علاقة لا تشبهه، وحياة لا تعكس ما يريده حقًا.

وتكمن خطورة هذه الحالة في أن التنازل لا يحدث دائمًا بصورة واضحة؛ فقد يتخفى خلف أعذار تبدو مقنعة، مثل الرغبة في الحفاظ على العلاقة، أو الاعتقاد بأن الطرف الآخر سيتغير، أو الخوف من أن يؤدي الاعتراض إلى الفراق. ومع مرور الوقت، تصبح محاولة إرضاء الآخر مقدمة على الاحتياجات الشخصية، ويتراجع الاهتمام بالنفس لصالح علاقة لا تحقق التوازن المطلوب.

ومن خلال هذا الطرح، يسلط الكتاب الضوء على أهمية مراجعة الحدود الشخصية، والتمسك بالحقوق المشروعة، وعدم اعتبار الصبر مبررًا لقبول الأذى. فالحفاظ على العلاقة لا ينبغي أن يتطلب إلغاء الشخصية، كما أن الحب الحقيقي لا يفرض على أحد أن يتخلى عن احترامه لنفسه حتى يظل مقبولًا لدى الطرف الآخر.

الاعتذار المنتظر.. لماذا لا يجب أن يتوقف التعافي عليه؟

ومن بين الأفكار التي يناقشها الكتاب، التعلق باعتذار قد لا يأتي أبدًا. فكثيرون يظلون أسرى لمواقف قديمة، ينتظرون اعترافًا بالخطأ أو تفسيرًا لما حدث، وكأن قدرتهم على تجاوز التجربة مرهونة بمبادرة الشخص الذي تسبب في الألم.

غير أن استمرار الانتظار قد يطيل عمر المعاناة، ويجعل الماضي حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. فالاعتذار، حين يحدث بصدق، قد يمثل خطوة نحو إصلاح ما أفسدته الخلافات، لكنه ليس الشرط الوحيد للتعافي، ولا ينبغي أن يتحول غيابه إلى حكم دائم على حياة من تعرض للأذى.

وتدعو هذه الرؤية إلى استعادة زمام المبادرة، وفهم ما جرى، والتعامل مع المشاعر المؤلمة دون إنكارها أو السماح لها بالسيطرة على المستقبل. فالتجاوز لا يعني تبرير الخطأ أو نسيان التجربة، وإنما التحرر من انتظار يمنح الآخرين سلطة مستمرة على مشاعرنا وقراراتنا.

من الاعتراف بالألم إلى استعادة الذات

لا يتوقف الكتاب عند تشخيص المشكلات التي تنشأ داخل العلاقات، بل يفتح المجال أمام مسار أكثر وعيًا في التعامل معها. ويبدأ هذا المسار بالاعتراف بالحقيقة كما هي، بعيدًا عن التجميل أو اختلاق المبررات، ثم فهم الأسباب التي دفعت إلى الاستمرار في علاقة مؤذية، ومراجعة القرارات التي جعلت التنازل يتكرر على حساب الاحتياجات الشخصية.

وتأتي المواجهة بوصفها خطوة مهمة في هذا الطريق؛ فالتغيير لا يبدأ بمجرد إدراك أن هناك خللًا، وإنما باتخاذ موقف واضح تجاه ما لم يعد مقبولًا. وقد تتطلب هذه الخطوة وضع حدود جديدة، أو إعادة ترتيب الأولويات، أو الابتعاد عن علاقة لم تعد توفر الحد الأدنى من الاحترام والأمان العاطفي.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الفضفضة والتعبير عن المشاعر باعتبارهما وسيلتين لفهم التجربة، لا للبقاء أسرى تفاصيلها. فالتعافي يحتاج إلى وقت، وإلى قدرة على التعامل مع الخذلان دون تحويله إلى تعريف دائم للذات أو سبب لفقدان الثقة في جميع العلاقات المقبلة.

رسالة الكتاب: لا تجعلي خسارة نفسك ثمنًا للحب

يحمل «احترسي صديقتي المغفلة» رسالة تتجاوز تجربة بعينها أو علاقة انتهت؛ إذ يوجه الانتباه إلى حق الإنسان في أن يحب دون أن يفقد استقلاله، وأن يمنح دون أن يستنزف نفسه، وأن يسامح دون أن يسمح بتكرار الأذى بلا حدود.

كما يلفت إلى أن القوة لا تعني غياب المشاعر أو التظاهر بعدم التأثر، وإنما القدرة على فهم ما نشعر به، واتخاذ قرارات تحمي سلامنا الداخلي، والتمييز بين علاقة تستحق فرصة جديدة وأخرى أصبح استمرارها عبئًا يفوق ما تمنحه من طمأنينة.

وتقدم د. تيسير علي من خلال هذا الإصدار مساحة للتأمل في أنماط متكررة من السلوك العاطفي، وتدعو القارئة إلى النظر إلى نفسها باعتبارها طرفًا أساسيًا في أي علاقة، لا شخصًا مطالبًا دائمًا بالتفهم والتنازل والانتظار. فالمحبة لا تعني إهمال الاحتياجات الشخصية، والوفاء لا يبرر قبول الإهانة، كما أن انتهاء علاقة لا يعني بالضرورة الفشل؛ فقد يكون بداية لاستعادة التوازن وبناء اختيارات أكثر نضجًا.

حضور في معارض الكتاب العربية

وعلى صعيد المشاركة الثقافية، حضر كتاب «احترسي صديقتي المغفلة» ضمن مشاركاته في معرض بغداد الدولي للكتاب بالعراق، ومعرض طرابلس الدولي للكتاب في ليبيا، مع ترقب مشاركته في معرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، بما يتيح وصول أفكاره إلى جمهور أوسع من القراء المهتمين بالعلاقات الإنسانية والوعي النفسي والعاطفي.

ويأتي هذا الحضور في إطار الاهتمام بالكتب التي تقترب من التجارب اليومية للإنسان، وتناقش الأسئلة التي تفرضها العلاقات على المشاعر والقرارات والحدود الشخصية، بعيدًا عن الاكتفاء بالنصائح العامة أو التصورات المثالية عن الحب.

في المحصلة، يطرح كتاب «احترسي صديقتي المغفلة» لد. تيسير علي فكرة تستحق التأمل: أن حماية الذات ليست نقيضًا للحب، وأن وضع الحدود لا ينتقص من صدق المشاعر، وأن التضحية تفقد معناها حين تصبح طريقًا مستمرًا إلى الألم. وبين التعلق والخذلان، يظل الوعي هو الخطوة الأولى نحو علاقة أكثر توازنًا مع الآخرين، والأهم، نحو علاقة أكثر إنصافًا مع النفس.

آيات مصطفى
آيات مصطفى
رائدة أعمال وصانعة محتوى، تشغل منصب المدير التنفيذي لجريدة «سبأ نيوز» الإخبارية، وأدمن جروب تعليمي لمدارس الإسكندرية.
تعليقات