كتبت : الإعلامية بيان مقبل
في زمنٍ تتكاثر فيه الصور وتبهت فيه الحقائق تحت ركام الأخبار العاجلة، يأتي مسلسل أصحاب الأرض ليعيد ترتيب المشهد من زاوية إنسانية خالصة، وليضع العدوان الإسرائيلي على غزة في قلب الحكاية، لا كعنوانٍ سياسي عابر، بل كجرحٍ يومي مفتوح.
هذا العمل الدرامي لا يكتفي بسرد وقائع الحرب، بل يغوص في تفاصيل الحياة تحت القصف، في البيوت التي تهتزّ جدرانها، في الأمهات اللواتي يعددن أبناءهنّ كل ليلة خوفًا من غيابٍ مفاجئ، وفي الأطفال الذين كبروا على صوت الطائرات ، هنا، لا تُروى الأرقام، بل تُحكى الوجوه.
غزة في أصحاب الأرض ليست مجرد مكان جغرافي، بل شخصية حيّة ، مدينة تنام على القلق وتستيقظ على الدخان ، يقدّم المسلسل صورة مكثفة عن العدوان الإسرائيلي المتكرر، وعن أثره العميق في النسيج الاجتماعي: عائلات تُشرّد، أحلام تُدفن تحت الركام، وشباب يُجبرون على الاختيار بين الحياة والخوف.
لكن ما يميّز العمل أنه لا يسقط في فخ الشعارات، بل يركّز على الإنسان الفلسطيني بوصفه "صاحب الأرض" فعلاً ومعنى ، الأرض هنا ليست قطعة تراب، بل هوية، وذاكرة، وحقّ متجذّر ، العنوان ذاته يحمل رسالة واضحة: من يعيش الألم يوميًا هو الأحقّ بالرواية.
يتنقّل المسلسل بين مشاهد القصف ومشاهد الحياة اليومية، ليؤكد أن الفلسطيني لا يعيش الحرب فقط، بل يقاومها بالحياة، أمّ تصرّ على إعداد الخبز رغم انقطاع الكهرباء، طالب يذاكر على ضوء الشمعة، وطبيب يعمل في مستشفى ميداني بأدوات محدودة لكن بإرادة لا تنكسر ، تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع ملحمة الصمود.
دراميًا، ينجح أصحاب الأرض في تحويل الحدث السياسي إلى حكاية إنسانية قادرة على لمس المشاهد أينما كان، لا يقدّم الفلسطيني كرقم في نشرة أخبار، بل كإنسان له ملامح وأحلام وأسماء، وفي المقابل، يكشف قسوة العدوان الإسرائيلي ليس فقط في الدمار المادي، بل في محاولته كسر الروح.
العمل يطرح أسئلة موجعة:
كيف يمكن لطفل أن يفهم معنى الحرب قبل أن يتعلّم معنى الوطن؟
وإلى متى تبقى العدالة مؤجلة خلف الحسابات الدولية؟
ومن يحاسب الألم حين يصبح يوميًا؟
أصحاب الأرض ليس مجرد مسلسل عن الحرب، بل وثيقة درامية تحفظ الذاكرة من التلاشي. إنه عمل يذكّر بأن خلف كل صورة دمار قصة عائلة، وخلف كل خبر عاجل إنسان ينتظر النجاة.
هو دراما تنحاز للإنسان، وتصرّ على أن تحكي الرواية كما يراها أصحابها، لا كما تُختصر في العناوين.
