كتبت : الاعلامية بيان مقبل
في كل شهر، لا ينتظر الأردنيون إعلان أسعار المحروقات بفضول، بل بقلقٍ ثقيل يشبه انتظار حكمٍ مؤجل. دقائق قليلة كفيلة بأن تقلب حسابات الأسر، وتعيد رسم ملامح شهرٍ كامل من التقشف، وكأن الوقود لم يعد مجرد مادة تُحرّك المركبات، بل شرارة تُشعل سلسلة لا تنتهي من الأعباء اليومية.
ارتفاع أسعار المحروقات في الأردن لم يعد حدثًا طارئًا أو استثناءً اقتصاديًا، بل تحوّل إلى واقعٍ دائم يطرق أبواب المواطنين بلا استئذان. فمع كل زيادة على سعر البنزين أو الديزل، ترتفع تلقائيًا كلفة النقل، وتتبعها أسعار السلع الأساسية، من الخبز والخضار إلى الخدمات التي لا غنى عنها. المواطن هو الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، يدفع الثمن كاملًا، بينما دخله ثابت أو يتآكل بصمت.
المشكلة لا تقف عند محطة الوقود.
سائق التكسي يرفع الأجرة ليبقى على قيد العمل، صاحب البقالة يرفع الأسعار ليغطي كلفة التوريد، والموظف البسيط يجد نفسه محاصرًا بين راتب لا يكبر وفواتير لا تشبع. هكذا، يتحول ارتفاع المحروقات من قرار اقتصادي إلى عبء اجتماعي يضغط على الطبقة الوسطى، ويدفع المزيد من الأسر نحو حافة الفقر.
الأكثر إيلامًا أن المواطن لم يعد يسأل: هل سترتفع الأسعار؟
بل: كم سترتفع؟
سؤال يعكس فقدان الثقة بالاستقرار، ويكشف حجم الإرهاق النفسي الذي يعيشه الأردنيون، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة عمومًا، من الإيجارات إلى التعليم والصحة.
لا يمكن إنكار التحديات العالمية، ولا تقلبات أسواق الطاقة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين أدوات الحماية الاجتماعية؟ وأين السياسات التي توازن بين متطلبات الخزينة وقدرة المواطن على الاحتمال؟ فالدعم الذكي، والنقل العام الفعّال، ومراجعة آليات التسعير، لم تعد رفاهية اقتصادية، بل ضرورة وطنية.
في النهاية، المحروقات ليست أرقامًا تُعلن على شاشة، بل قرارات تمس لقمة عيش الناس، وتؤثر على كرامتهم اليومية. وعندما يشتعل خزان الوقود، يجب ألا يُترك المواطن وحده ليحترق معه.
